كمال الدين دميري
313
حياة الحيوان الكبرى
وجلوسك مع بعض حرمي ؟ أما خفت نقمتي ؟ أما خشيت سطوتي ؟ أخبرني يا ويلك ، ما الذي حملك على ذلك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، حملني على ذلك حلمك . فقال له معاوية : أرأيت إن عفوت عنك تسترها علي ، فلا تخبر بها أحدا ؟ قال : نعم . فعفا عنه ووهب له الجارية ، وما في حجرتها وكان شيئا له قيمة عظيمة . قال الطرطوشي : فانظر إلى هذا الدهاء العظيم والحلم الواسع كيف طلب الستر من الجاني انتهى . فائدة : لما كان أول المحرم سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين ، وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يومئذ حملا في بطن أمه ، حضر أبرهة الأشرم ملك الحبشة يريد هدم الكعبة ، وكان قد بنى كنيسة بصنعاء ، وأراد أن يصرف إليها الحاج ، فخرج رجل من بني كنانة ، فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك ، وحلف ليهدمن الكعبة ، فخرج ومعه جيش عظيم ، ومعه فيله محمود ، وكان قويا عظيما ، واثنا عشر فيلا غيره ، وقيل : ثمانية . فلما بلغ المغمس ، وهو على ثلثي فرسخ من مكة ، مات دليلة أبو رغال هناك ، فرجمت العرب قبره . والناس يرجمونه إلى الآن . وروى أبو علي بن السكن ، في سننه الصحاح ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا كان بمكة ، وأراد أن يقضي حاجة الإنسان ، خرج إلى المغمس . ثم إن أبرهة بعث خيلا له إلى مكة ، فأخذت مائتي بعير لعبد المطلب ، فهم أهل الحرم بقتاله ، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوه . وبعث أبرهة إلى أهل مكة يقول لهم : إني لم آت لحربكم وإنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تتعرضوا دونه بحرب ، فلا حاجة لي بدمائكم ! فقال عبد المطلب لرسوله : واللَّه لا نريد حربه ، وما لنا من حاجة ، هذا بيت اللَّه وبيت خليله إبراهيم صلى اللَّه عليه وسلم فهو يحميه ممن يريد هدمه . ثم خرج عبد المطلب إلى أبرهة ، وكان عبد المطلب جسيما وسيما ما رآه أحد إلا أحبه ، وكان مجاب الدعوة ، فقيل لأبرهة : هذا سيد قريش الذي يطعم الناس في السهل ، ويطعم الوحش والطير في رؤوس الجبال ، فلما رآه أجله وأجلسه معه على سريره . ثم قال لترجمانه : قل له : سل حاجتك . فقال : حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها لي . فلما قال ذلك ، قال له أبرهة : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم زهدت فيك حين كلمتني ! أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك ، قد جئت لهدمه فلم تكلمني فيه ؟ فقال عبد المطلب : إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه منك . قال أبرهة : ما كان ليمتنع مني . فقال عبد المطلب : أنت وذاك . فرد أبرهة على عبد المطلب إبله ، ثم انصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب ، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ودعا اللَّه تعالى ثم قال « 1 » : لا همّ أن المرء يمنع رحله فامنع حلالك وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك
--> « 1 » الحيوان للجاحظ 7 / 198 .